جامعة وهران محمد بن احمد 2

كلية الحقوق و العلوم السياسية 

ماستر سنة ثانية جنائي و علوم جنائية

الحجم الساعي 3 ساعات

الاستاذ مجاهد زين العابدين

zinezin82@gmail.com

copyright 12/05/2020

اساليب التحري الخاصة

تناول المشرع الجزائري على غرار بعض التشريعات المقارنة موضوع اساليب التحري الخاصة  ضمن قانون الاجراءات الجزائية 22/06 المعدل و المتمم ، في الفصل الرابع  و الخامس من الباب الثاني تحت عنوان االتحقيقات ، بالاضافة الى اجراءات اخرى نص عليها في قوانين خاصة على غرار التسليم المراقب الذي تناوله في المادة 2 فقرة "ي" من قانون مكافحة الفساد و الوقاية منه 06 /01  و كذا الترصد الالكتروني و الاختراق المادة 56 فقرة اولى من نفس القانون .

و هي الاساليب التي لا تخرج في النهاية عن كونها وسائل مكملة لغيرها من اجراءات التحقيق و البحث و التحري المالوفة الكلاسية ،التي درج العمل القضائي و الضبطي على الاستعانة بها و اللجوء اليها من اجل كبح و محاربة الجريمة و التصدي للجناة ، خاصة امام التنامي الغير المسبوق للجرائم المنظمة الخطيرة العابرة للحدود و الاوطان  ، و التي اخذت مساحة لا يستهان بها من التنظيم التشريعي الذي يقتضي موىجهتها و البحث عن الاساليب التي تتماشى و القضاء عليها احيانا في مهدها  .

و هي الاجراءات التي لا ينبغي  اللجوء اليها الا في نطاق محدود ، وفقا لضوابط و شروط يحددها القانون "الشرعية الاجرائية" .

أولا التسرب 

نتيجة لصعوبة الوصول الى الجريمة و الكشف عن مرتكبيها بسبب تعددهم ااو عدم امكانية التعرف على هوياتهم أو طبيعة انشطتهم الاجرامية و نطاقها الجغرافي التي تمارس فيه  خاصة في الجرائم الدولية العابرة للحدود و الاوطان، و التي تعتمد على استعمال تقنيات اكثر تطورا و وسائل و ادوات اكثر تعقيدا ، و نظرا لكون اللجوء الى الاعتماد على اسلوب التحري التقليدي لم يعد يحقق الاهداف المرجوة ، فكان لزاما على الدول ابتكار اساليب جديدة تمكن من مراقبة المشتبه بهم و التأكد من ضلوعهم في تلك الجرائم و التعرف على اهدافهم الاجرامية المستقبلية ، بشكل اكثر دقة و فعالية من حيث تقفي اثر الجريمة في اصعب الظروف و الاحوال و هو امر يمكن ان يتحقق باللجوء الى اعتماد اسلوب التسرب او ما يصطلح عليه بالاختراق .

و هو اجراء يقوم على اسناد مهمة التعرف على المجرمين عن قرب لشخص بهوية مستعارة تتوافر فيه صفة الضبط القضائي سواء كان ضابط شرطة قضائية او عون ، بل و تتوافر  فيه  مجموعة من الشروط و المواصفات النفسية و الجسدية ،  كالكفاءة و الخبرة و الصبر و الذكاء و القدرة على تقمص الادوار بالقدر الذي يجعله يحظى بالقبول و الثقة لدى المجرمين و تولد لديهم الاحساس بانهم يتعاملون مع فرد لا يتجزأ من المجموعة، مما يؤدي في النهاية الى كشف الجريمة و نحقيق فعالية الاداء و السرعة في الوصول الى المعلومة و الهدف المتمثل في انهاء النشاط بأخف الاضرار الممكنة دون ان ينضوي هذا الاجراء او التصرف على تحريض على جريمة اخرى .

1-تعريف التسرب.

 عرفه المشرع الجزائري في المادة 65 مكرر 12 بانه "قيام ضابط او عون الشرطة القضائية تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية بمراقبة الاشخاص المشتبه في ارتكابهم جناية او جنحة بايهامهم انه فاعل معهم او شريك لهم او خاف .

يسمح لضابط او عون الشرطة القضائية ان يستعمل لهذا الغرض هوية مستعارة و ان يرتكب عند الضرورة الافعال المذكورة في المادة 65 مكرر 14 ادناه و لا يجوز تحت طائلة البطلان ان تشكل هذه الافعال تحريضا على ارتكاب جرائم " ، ا  

من خلال هذا النص يتبين لنا بان التسرب اجراء منصوص عليه قانونا موكل مهمة القيام به لاصحاب صفة هم ضباط الشرطة القضائية و الاعوان  تحت سلطة و مسؤولية ضابط شرطة قضائية مكلف بادارة و تنسيق و تنظيم العملية و بعد الحصول على اذن مسبق من وكيل الجمهورية او قاضي التحقيق، للقيام بعملية مراقبة المشتبه بهم في ارتكاب افعال تكيف على انها جنايات او جنح و ايهامهم بانه جزء منهم ، يظهر بمظهر الفاعل الاصلي او الشريك او الخاف ، و هو بهذا المعنى مشاركة ارادية في افعال اجرامية ممكنة الحدوث ضمن دائرة الاباحة التي يسمح بها القانون و التي تتخذ في هذه الصورة شكل  "الاذن" القضائي .   

2-مجال اللجوء الى اتباع اسلوب التسرب

هي الحالات التي حددها من خلال المادة 65 مكرر 5 في 7 جرائم ، سنبينها على انحو التالي 

1-جرائم المخدرات .

2-الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية 

3-الجرائم الماسة بالانظمة الالية للمعطيات

4-جرائم تبييض الاموال 

5-جرائم الارهاب

6-الجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف

7-جرائم الفساد

ثانيا / شروط الواجب توافرها للقيام باتباع اجراءات التسرب

  تنقسم الى شروط شكلية او اخرى موضوعية 

 أولا / الشروط الشكلية 

1-تحرير تقرير من قبل ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق عملية التسرب 

و هو ما نصت عليه المادة 65 مكرر 13 بقولها "يحرر ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق عملية التسرب تقريرا يتضمن العناصر الضرورية لمعاينة الجرائم غير تلك التي قد تعرض للخطر امن الضابط او العون النتسرب و كذا الاشخاص المسخرين طبقا للمادة 65 مكرر 14 ..."

و هو التقرير الذي يتضمن

1- تحديد العناصر الاساسية و المعطيات التي تتعلق بمعاينة الجريمة و تضمن للمتسرب هامشا لا يستهان به من الامان  .

2-ان ينطوي على احد الافعال المنصوص عليهم في المادة 65 مكرر 5 .

3-ذكر هوية ضابط الشرطة او العون المراد تسريبه من خلال بيان جميع المعلومات المتعلقة بهويته و صفته و اختصاصه القليمي .

بعد الانتهاء من تسجيل هذه البيانات ، يحال ملف التقرير مع طلب الاذن بالتسرب الىوكيل الجمهورية او قاضي التحقيق للاطلاع عليه و اصدار ما يراه مناسبا بشأن الطلب ، و من ثم اصدار اذن بالتسرب وفقا للمادة 65 مكرر 15 .

2/ الاذن بمباشرة عملية التسريب

و يقصد به الرخصة التي يمكن من خلالها للضابط المكلف بتنسيق عملية التسرب السماح للضابط او العون القضائي المسرب القيام بمهامه ضمن دائرة الشرعية الاجرائية ، و هو اذن كتابي مسبب صادر عن وكيل الجمهورية او قاضي التحقيق بعد اخطار وكيل الجمهورية وفقا للمادة 65مكرر 15 و ذلك تحت طائلة البطلان في حال اتخاذه دون اقتضاء .

و هو البطلان الذي لم يرتبه المشرع الجزائري في حال عدم ذكر الجريمة و لا تحديد هوية الضابط اوالعون المتسرب خلافا لما تضمنته المادة 65مكرر 15 في فقرتها الاولى بنصها على انه "يجب ان يكون الاذن المسلم تطبيقا للمادة 65 مكرر 11 اعلاه مكتوبا و مسببا و ذلك تحت طائلة البطلان " .

3/النطاق الزماني لعملية التسرب 

بالرجوع الى نص المادة 65 مكرر 15 من قانون الاجراءات الجزائية المعدل و المتمم في فقرتها الثالثة نجد بان المشرع الجزائر قد حدد مدة الاذن  ب اربعة اشهر كاصل عام ، و هي المدة التي يمكن تجديدها بنفس الاشكال وفقا لمقتضيات التحري او التحقيق "المادة 65 مكرر 15 فقرة الرابعة  كما اجاز المشرع للقاضي الذي امر و رخص باجرائها ان يوقفها في اي وقت قبل انقضاء المدة المجددة لها "فقرة 05 من المادة 65 مكرر 15 .

على ان يراعى في ذلك حالة العضو المتسرب ، و الذي قد يترتب عن توقيفه تعريض حياته او اسرته او عائلته الى الخطر .

لذلك راعى المشرع الجزائري هذه الظروف من خلال نصه في المادة 65 مكرر 17 على امكانية السماح للعنصر المتسرب بمواصلة نشاطاته لوقت كافي لضمان سلامته و دون ان يقع تحت طائلة المسؤولية الجزائية عن الافعال التي قد يرتكبها خلال تلك الفترة ، و اذا لم يتمكن من توقيف نشاطه امكن القاضي تمديد هذه المدة لفترة 4 اشهر جديدة على الاكثر المادة 65 مكرر 17 فقرة 2 .

على ان يودع اذن التسرب في ملف الاجراءات بعد انتهاء العملية للمحافظة على سريتها بين المشرفين عليها و القائمين بتنفيذها و كفالة التنسيق بشأنها بين "وكيل الجمهورية او قاضي التحقيق مصدر الاذن ، الضابط  المكلف بالتنسيق ، ضابط او عون الشرطة القضائية المتسرب .

4-الاختصاص الاقليمي 

  يقصد باالختصاص اإلقليمي النطاق الجغرافي الذي يمارس فيه هؤلاء صلاحياتهم، وتحدد بالدائرة الاقليمية التي يباشرون فيها أعمالهم حسب المادة  1/16 إج ج: "يمارس ضباط الشرطة القضائية اختصاصهم المحلي في الحدود التي يباشرون ضمنها وظائفهم المعتادة ".

وجعل هذا االختصاص وطنيا  بالنسبة لفئة معينة وهم ضباط الشرطة التابعين لمصالح األمن العسكري طبقا للمادة  6/16 من قانون الاجراءات الجزائية الجزائري .              

 ولم يضع المشرع الجزائري ضوابط تحدد انعقاد االختصاص المحلي لضباط الشرطة القضائية إال أنه يمكن تحديده بالرجوع إلى المواد 37 و40 إ ج التي تحدد الاختصاص المحلي لوكيل الجمهورية وقاضي التحقيق بمكان وقوع الجريمة أو محل اقامة المشتبه فيه أو المكان الذي تم في دائرته القبض على المشتبه فيه .

 إالا انه وفيما يتعلق بجرائم محددة على سبيل الحصر في المادة  6/16 ق.إ ج أقر المشرع الجزائري إمكانية تمديد االختصاص المحلي لضباط الشرطة القضائية ليشمل كافة اإلقليم الوطني .

 وتتعلق هذه الجرائم بـ

  - جرائم المخدرات 

  - الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية 

  ا- لجرائم الماسة بأنظمة المعالجة اآللية للمعطيات 

  - جرائم تبييض الاموال

  - جرائم الارهاب 

  - الجرائم المتعلقة بالتشريع الخاص بالصرف 

وعليه عند البحث والتحري في جريمة من هذه الجرائم لا يتصور ان يتقيد ضابط الشرطة القضائية باختصاص إقليمي معين، و انما يشمل نشاطه و اختصاصه  كافة أراضي الجمهورية والهدف من

 ذلك ضمان السرعة والفعالية وكذا تركز التحقيق وعدم تجزئته على عدة دوائر  و اقاليم .

و لعل ما يلاحظ  على هذه الجرائم هو انها أن هي نفسها الجرائم المذكورة في المادة 65 مكرر 5

والخاصة بأساليب التحري الخاصة ، باستثناء جرائم الفساد التي لم يرد ذكرها في المادة 6/16، إال أنه بالرجوع إلى قانون مكافحة الفساد نجده ينص في المادة 24 مكرر على إنشاء الديوان المركزي لقمع الفساد يكلف بمهمة البحث والتحري عن جرائم الفساد، وقد صدر المرسوم 11-426 المؤرخ في 08 ديسمبر 2011 يحدد تشكيلة الديوان المركزي لقمع الفساد وتنظيمه وكيفيات سيره،

يتشكل الديوان من 

  - ضباط وأعوان الشرطة القضائية التابعة لوزارة الدفاع  الوطني

  - ضباط وأعوان الشرطة القضائية التابعة لوزارة الداخلية والجماعات  المحلية

  - أعوان عموميين ذوي كفاءات أكيدة في مجال مكافحة  الفساد

 وطبقا للمادة 5 من المرسوم الرئاسي السالف الذكر والمادة 24 مكرر 1/2 من قانون مكافحة الفساد يمارس ضباط الشرطة القضائية التابعون للديوان مهامهم وفقا لقانون الإلجراءات الجزائية، أما فيما يتعلق بنطاق اختصاصهم المحلي في هذه الجرائم فيمتد ليشمل كافة النطاق الاقليمي .  

ثانيا الشروط الموضوعية لعملية التسرب

بالاضافة للشروط الشكلية التي اقرها المشرع الجزائري لتمكين ضباط الشرطة القضائية او الاعوان من القيام بمهامهم بشكل ـآمن و اكثر فعالية ضمن اطار الشرعية الاجرائية دائما ، فرض المشرع قيودا موضوعية لا بد من تووافرها حتى يكون التسرب سليما منتج لاثره ، و هي الشروط التي سنتولى بيانها على النحو التالي

1-بيان دوافع اللجوء الى عملية التسرب

على خلاف الاجراءات المتبعة في مجال اعتراض المراسلات و التي يكون فيها الضابط او العون ابعد ما يكون عن الالتحام المباشر الفعلي مع المجرمين فان التسرب لا يخلو من مخاطر قد تنتهي بالحاق اضرار بالضابط او العون المتسرب الذي يتقمص دور المجرم "العارض" و الذي يعتبر في نظر القانون "ضابطا" او عونا مهمته تحري الجريمة و الكشف عن مرتكبيها و هو ما قد يؤدي الى موته في حالات محتملة .

لذلك  ، فان مقتضيات التحقيق  التي تجعل ضرورة التقرب اكثرمن المجرمين  و معرفة نواياهم الاجرامية ، و عدم كفاية الاجراءات المعتادة في البحث و التحري ، خاصة في الجرائم المنصوص عليها ضمن المادة 65 مكرر 5 هي التي تجعل من اللجوء الى التسرب امرا لا مناص منه ، و بالتالي لا حديث في هذه الحالة عن التسرب الحكمي الذي لا يرجى منه تحقيق اية فائدة عملية ، بل لا يد ان يكون حقيقيا مجديا و منتجا في مكافحة الجريمة او الوقاية من اثارها .

هذا و ان اقتصار المشرع على حصر اتباع هذا الاسلوب في جرائم محددة بناءا على نص المادة السالفة الذكر لا يعفينا من الحديث عن ظهور بعض الاشكاليات التي تتخلل مرحلة سيرورة الاجراء .

و هي المرحلة التي قد يتصادف فيها قيام المتسرب بمهامه مع اكتشافه لجرائم اخرى غير تلك المتسرب فيها ، هل يمكن تصور امتداد التسرب اليها أم لا ؟ 

ثم هل يملك ضابط الشرطة القضائية او العون المتسرب الحق في مباشرة اجراءات التسرب العارضة من تلقاء نفسه اذا تبين له بان الحال لا يقتضي التأخير ، اما بسبب خطورة الافعال او امكانية اتساع دائرة انتشارها ، ام لا بد من الرجوع الى الضابط المكلف بالتنسيق لتقديم طلب اذن توسعة اختصاص موضوعي بشأن تلك الوقائع  للهيئة القضائية المختصة  ؟

بالرجوع الى قانون الاجراءات الجزائية المعدل و المتمم نجد بان المشرع الجزائري لم يتناول هذه الحالة على خلاف ما هو منصوص عليه في اسلوب اعتراض المراسلات حيث نص المشرع الجزائري في المادة 65 مكرر 6 فقرة ثانية على انه " اذا اكتشفت  جرائم اخرى غير تلك  التي ورد ذكرها  في اذن القاضي  فان ذلك لا يكون سببا لبطلان الاجراءات العارضة " .

و لعل العبرة في ذلك راجعة لكون طبيعة  المهمة تقتضي من المتسرب تركيز و تنظيم و توجيه جهوده بدقة عالية و كفاءة متناهية للوصول الى الجناة و كبح الجريمة الخطيرة في ظرف وجيز و بدون خسائر .

و هي مسالة لن تتاتى الا اذا تم وضعه  في وضعية ملائمة ، ضمن اطار عملي منهجي منظم و بعيد عن تشتيت الجهود و اهدار الوقت بسبب تداخل الجرائم و تعددها ، فلا مجال اذ ذاك للحديث عن اجراءات عارضة بمناسبة انشطة اجرامية مستقلة عارضة ايضا .   

اي اننا بصدد وضعية لا تقبل فيها الجرائم التجزئة بل لا بد من  النظر اليها كوحدة غير قابلة للانفصال من حيث كونها تتمتع في كثير من الاحيان بوحدة الارتباط الشكلي و الموضوعي و ايضا من حيث الاثر الذي يترتب عنها فيما يتعلق بالدعاوى المدنية .

بل ان وحدة الارتباط تجد سندها بالنظر الى وحدة الجريمة من حيث صفة القائمين بها او من حيث طبيعة الجرائم و تداخلها و تاثيرها في التكييف القانوني للافعال و العقوبات المقررة لمرتكبيها  .

على خلاف الجرائم العارضة التي قد ترتكب اثناء مباشرة العون المتسرب لاجراءات التسرب و البحث و التحري ، و التي قد تاخذ شكل نشاط مستقل مختلف تماما من حيث الاركان و الافعال و التكييف عن الجرائم المتسرب بمناسبتها .

2- القائمين بعملية التسريب 

من خلال استقراءنا لنص المادة 65 مكرر 12 إ ج نجد بان المشرع الجزائري اسند مهمة القيام بعملية التسرب الى ضابط أو عون الشرطة القضائية تحت مسؤولية ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية .  

كما انه بالرجوع الى نص المادة 15 إ ج  نجد أنها حددت قائمة الاشخاص الذين يتمتعون بصفة الضبط القضائي بنصها على انه "يتمتع بصفة ضابط الشرطة القضائية  

  - رؤساء المجالس الشعبية البلدية  

  - ضباط الدرك الوطني 

  - محافظو الشرطة  

- ضباط الشرطة        

  - ذوو الرتب في الدرك ورجال الدرك الذين أمضوا في سلك الدرك ثالث سنوات على الاقل والذين تم تعيينهم بموجب قرار مشترك صادر عن وزير العدل ووزير الدفاع الوطني، بعد موافقة لجنة خاصة .

  - مفتشوا الامن الوطني الذين قضوا في خدمتهم بهذه الصفة ثالث سنوات على الاقل وعينوا بموجب قرار مشترك صادر عن وزير العدل ووزير الداخلية و الجماعات المحلية  بعد موافقة لجنة خاصة . 

  - ضباط وضباط الصف التابعين للمصالح العسكرية لألمن الذين تم تعيينهم خصيصا  بموجب قرار

مشترك صادر عن وزير الدفاع الوطني و وزير العدل . 

يحدد تكوين اللجنة المنصوص عليها في هذه المادة و تسييرها بموجب مرسوم  .

 من خلال هذا النص و باستثناء الحالة التي يمكن ان نتصور فيها قيام رؤساء المجالس الشعبية البلدية باتباع اجراءات التسرب ، كونه شخص معلوم معروف الهوية و لا تتوافر لديه و فيه المؤهلات و التكوين الخاص الذي يفترض حضوره في مثل هذه الحالات ، فان المشرع الجزائري اعترف للفئات الاخرى من الضبطية القضائية بامكانية الحصول على إذن مباشرة إجراء التسرب ، و هي الاجهزة التي يقتضي في ممارستها لانشطتها ضرورة الحصول على الموافقة من لجان خاصة تحدد  بموجب مرسوم  .

أما الفئة الثانية فتتمثل في أعوان الضبط القضائي، وهم الاشخاص الذين لهم صفة ضابط الشرطة القضائية ويمارسون وظائفهم تحت سلطة ومسؤولية ضباط الشرطة القضائية وطبقا للمادة 19 من قانون الاجراءات الجزائية المعدل و المتمم "يعد من أعوان الضبط القضائي موظفو مصالح الشرطة وذوو الرتب في الدرك الوطني ورجال الدرك و مستخدمو مصالح األمن العسكري الذين ليست لهم صفة ضباط الشرطة القضائية " .

 وهناك فئة أخرى يمكنها المشاركة في عملية التسرب طبقا للمواد 65 مكرر13 والمادة 65 مكرر14 وهم الاشخاص الذين يتم تسخيرهم لهذا الغرض وهم كل شخص ذكر أو أنثى يتم االستعانة بهم في عملية التسرب بناء على تعيين من ضابط الشرطة القضائية المكلف بتنسيق العملية .

 ولم تحدد هذه المواد طبيعة هؤلاء الاشخاص أو مهامهم أو وضعيتهم القانونية  و كذا النظام القانوني الذي يخضعون له ، و كذا طبيعة تكوينهم ، و الذين على الارجح يتخذون ربما وضع المتعاونين الذين يستفيدون من ضمانات تخفيف العقوبات او الاعفاء منها ، او اهل المجرم او زوجته او كل شخص تربطه صلة بالقائمين بالاعمال الاجرامية  بما فيهم اصحاب المهن او الصناعيين ...الخ و الذين يمكن ان يقدموا خدمة جليلة للوطن و المجتمع في مكافحة الجريمة خاصة المنظمة منها العابرة للحدود و الاوطان .   

 على العكس من ذلك تماما فان بعض التشريعات المقارنة تشترط في أن يكون القائم بعملية التسرب من موظفي الشرطة وأن يكون قد تلقى تكوينا للقيام بمثل هذا النوع من العمليات كما هو الشأن بالنسبة للتشريع البلجيكي ،و هو التشريع الذي يحظر اللجوء إلى الاشخاص المدنيين من أجل القيام بهذه العملية، وذلك نظرا لصعوبة مراقبتهم وكذا عدم الثقة فيهم، إلا أنه لم يعف العون القائم بالتسرب من امكانية الاستعانة بهؤلاء إذا كانت لدى الشخص خبرة خاصة في مجال معين كالكيمياء او في مجال المعلوماتية للقيام بمهام  تعطيل انظمة الاتصال او المعالجة الالية للمعلومات و تسريب المعطيات ، كل ذلك بعد الحصول على اذن مسبق من وكيل الجمهورية المختص او قاضي التحقي .  

المبحث الثاني اليات انفاذ عملية التسرب

لا يكفي مجرد توافر مجموعة العناصر الشكلية و الموضوعية للقول باننا بصدد تنفيذ عملية التسرب على الوجه الصحيح ، بل ان مقتضيات عملية تعقب الجناة التي قد تتسع دائرة انشطتهم او تضيق ، او بسبب طبيعة جرائهم التي قد تختلط باخرى كما هو الحال بالنسبة لجرايم عالم المال و الاعمال ، ستنعكس حتما على شخصية الجناة بالقدر الذي يجعلهم يظهرون بمظهر المحترم "الانيق"  الذي  يختلف في  تصرفاته و علاقاته و محيطه و حياته اليومية عن المجرمين العاديين .

فقد نجده يظهر في صورة "رجل اعمال" أو كمدير لشخص معنوي و الذي يمتلك وسائل و اليات او اموال او بضائع او منتوجات او معلومات ، و يرتاد امكان اكثر فخامة و هو محاط بالحماية مع تمتع انشطته بهامش لا يستهان به من السرية في المعاملات مهما كان نوعها  .

و هي العناصر التي دفعت بالمشرع الجزائري على غرار بعض التشريعات المقارنة  الى التفكير في وضع جميع هذه الوسائل او بعضها في يد الضابط او العون المتسرب ، كوسائل الاتصال و السيارات و المأوى ...الخ من اجل تكيفه مع الوضعية الجديدة التي سيصبح جزءا منها و لتمكينه من اداء مهامه بعيدا عن الريبة و الاشتباه ، و هوما قد يطرح اشكالية امكانية مسائلته جزائيا عن الافعل التي سيرتكبها اثناء هذه المرحلة بما فيها التصرف في الاموال او جزء من عائدات الجريمة مثلا .

أولا تسخير الوسائل المادية و  القانونية لانفاذ اجراء التسرب 

تناول المشسرع الجزائري هذه المسالة من خلال نص المادة 65مكرر 14 بنصه على انه " يمكن 

لضابط وأعوان الشرطة القضائية المرخص لهم بإجراء عملية التسرب والاشخاص لذين يسخرونهم لهذا الغرض، دون أن يكونوا مسؤولين جزائيا القيام بما يأتي

  - اقتناء أو حيازة أو نقل أو تسليم أو إعطاء مواد أو أموال أو منتوجات أو وثائق أو معلومات متحصل عليها من ارتكاب الجرائم أو مستعملة في ارتكابها .

  - استعمال أو وضع تحت تصرف مرتكبي هذه الجرائم الوسائل ذات الطابع القانوني أو المالي وكذا وسائل النقل أو التخزين أو اإليواء أو الحفظ أو الاتصال " .

من خلال استقراءنا لنص المادة ، يتضح جليا بان المشرع الجزائري قد حدد مختلف التصرفات و الوسائل المادية و القانونية و الافعال التي ياتيها الضابط او العون المتسرب و التي لا يكون بموجبها محلا للمسائلة الجزائية كونه يعلم يقينا بان مقتضيات الظهور بمظهر المجرم و تلافي الشبهة  لا تنفي فرضية اقدام الضابط او العون المتسرب بارتكاب افعال الاصل فيها انها مجرمة قانونا لكن حالة الاباحة هي التي جعلت من تصرفات الضابط او العون المتسرب مشروعة مباحة دون ان يشكل ذلك تحريضا على الجريمة او المشاركة فيها ، حتى و لو تحصل  من وراءها على عائدات وفقا لنص المادة 65مكرر 14 الفقرة 2 ق.ا.ح.ج .

  و هو ما يشكل استثناءا من المادة 2 من القانون 01/05 المتعلق بالوقاية من تبييض الاموال و نمويل الارهاب و مكافحتهما ، و التي يعتبر فيها تبييضا للاموال 

 أ- تحويل الممتلكات أو نقلها مع علم الفاعل بأنها عائدات إجرامية، بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أي شخص متورط في ارتكاب الجريمة األصلية التي تحصلت منها هذه الممتلكات، على الافلات من الاثار القانو نية لافعاله .

ب- إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو الحقوق المتعلقة بها، مع علم الفاعل أنها عائدات جرامية .

  ج- اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع علم الشخص القائم بذلك وقت تلقيها أنها تشكل عائدات إجرامية . 

د- المشاركة في ارتكاب أي من الجرائم المقررة وفقا لهذه المادة أو التواطؤ أو التأمر على ارتكابها أو محاولة ارتكابها والمساعدة أو التحريض على ذلك وتسهيله و اسداء المشورة بشأنه . 

 وقيام المتسرب بفعل من هذه األفعال أثناء مباشرته لعملية التسرب تعفيه من المسؤولية الجزائية كون هذه الافعال مرتبطة بالعملية .

ثانيا / صور تفيذ عملية التسرب

لما كان دور الضابط او العون المتسرب يقوم على فكرة  التوغل بداخل المجموعة الاجرامية ، وايهامهم بأنه جزء لا يتجزأ منهم ، فان القانون سمح له باتيان افعال الاصل انها اجرامية وفقا للمادة 65 مكرر 14 ق.ا.ج دون ان يكون عرضة للمسائلة الجزائية ، و هو الدور الذي يجعله يظهر بمظاهر مختلفة ، كأن يظهر بمظهر الفاعل او الشريك ايضا او الخاف في حالات اخرى  .

1- المتسرب فاعل

طبقا للمادة 65 مكرر 12 من قانون الاجراءات الجزائية 22/06 المعدل و المتمم ، فانه  يمكن للشخص الذي يتولى القيام بعملية التسرب عن طريق التمويه أن يتخذ صورة فاعل أساسي في الجريمة ويقوم بناءا على ذلك بارتكاب الافعال المنصوص عليها في المادة 65 مكرر14 ،وفي هذا الصدد لا بد من التفريق بين إيهام الغير بأنه فاعل وبين التحريض على ارتكاب الجريمة .  

 فالتحريض الشرطي هو دفع الشخص إلى ارتكاب الجريمة والذي لم يكن ليرتكبها لولا تدخل عون الشرطة، وعليه في هذه الحالة لابد من معرفة فيما إذا كان لدى الشخص مرتكب الجريمة ميول أو استعداد لارتكاب الجريمة.

فقد عرفت محكمة النقض الامريكية التحريض على أنه: "مشروع إجرامي يجد مصدره في تصرفات

أعوان الحكومة الذين يقومون بغرس فكرة ارتكاب األفعال المجرمة في ذهن الشخص من أجل متابعته بهذه األفعال " . 

 ولمعرفة فيما إذا كان هناك تحريض من عدمه لا بد من البحث في مدى توافر العلاقة السببية بين الفعل المرتكب من قبل الضابط او العون المتسرب والجريمة المرتكبة، فإذا كان فعل العون هو الذي دفع بالشخص الى ارتكاب الجريمة نكون بصدد التحريض .

 وعليه فإن إيهام الغير بأن المتسرب فاعل، إنما هو من أجل الحصول على دليل وليس من أجل التحريض على الجريمة، وهو الاتجاه الذي أخذ به المشرع الجزائري في المادة 65 مكرر12 قانون اجراءات جزائية معدل و متمم  . 

2-المتسرب شريك

عرف المشرع الجزائري الشريك الاجرامي في المادتين 42 و43 قانون العقوبات الجزائري المعدل و المتمم .

 فحسب المادة 42 من قاون العقوبات المعدل و المتمم ، " يعتبر شريكا في الجريمة من لم يشترك اشتراكا مباشرا و لكنه ساعد بكل الطرق أو عاون الفاعل أو الفاعلين على ارتكاب األفعال التحضيرية أو المسهلة أو المنفذة لها مع علمه بذلك " .

 ويدخل في حكم الشريك طبقا للمادة 43 من نفس القانون كل " من اعتاد ان يقدم  مسكن أو ملجأ أو مكان لالجتماع لواحد أو أكثر من الاشرار الذين يمارسون اللصوصية أو عنف ضد أمن الدولة أو الامن العام أو ضد األشخاص أو الاموال مع علمه بسلوكهم الاجرامي ".

و معنى هذا ان الشريك المقصود هنا هو الشريك الذي يساعد او يعاون الفاعل ااو الفاعلين على ارتكاب الافعال التحضيرية او المسهلة او المنفذة  لها مع علمه بذلك ، و هي الحالة التي قد تصادف نشاط الضابط او العون المتشرب ، دون ان تجعله مسؤول جزائيا عن تلك الافعال المادة 65 مكرر 12 .

3-المتسرب خاف

 طبقا للمادة 65 مكرر 12 يستطيع المتسرب إخفاء الاشياء التي تم اخلاسها او تبديها أو المتحصل عليها من الجريمة أثناء قيامه بمهامه دون أن تقوم مسؤوليته الجنائية ، سواء كانت كلها او جزء منها ، بغض النظر عن قيمتها و شكلها .